بكتيريا العِقْدِيَّة المُقَيِّحة من المجموعة (A)
مقدمة وتعريف
تُعد بكتيريا العِقْدِيَّة المُقَيِّحة من المجموعة A من أبرز المسببات للعديد من الأمراض البشرية. تتراوح هذه الأمراض بين التهابات الحلق والجلد البسيطة، وصولاً إلى عدوى الأنسجة العميقة والمضاعفات المناعية الخطيرة كالحمى الروماتيزمية.
لمحة تاريخية
- القرن الخامس قبل الميلاد: وُصفت الأمراض الناجمة عن هذه الجراثيم في نصوص كتبها طبيب اليونان أبُقراط عند حديثه عن الأمراض التي تصيب العضلات والأنسجة.
- عام 1874: شُوهدت هذه البكتيريا للمرة الأولى لدى مريض مصاب بالتهاب جلدي يُعرف بـ الحُمْرَة.
- عام 1879: وثّق العالم لويس باستور وجود الجرثومة في دم امرأة مصابة بعدوى ما بعد الولادة (حمى النفاس).
الخصائص الميكروبيولوجية
- تنتمي إلى فئة البكتيريا الموجبة المصبغة بصبغة غرام.
- تمتاز بقدرتها على إحداث تحلل كامل لخلايا الدم الحمراء عند زراعتها على وسط أغاري يحتوي على الدم، ولهذا تُسمّى بيتا-تحللية.
- تُسبب التهاب البلعوم والتهابات جلدية متعددة تشمل الحُمْرَة.
- قد تسبب أحياناً عدوى شديدة الخطورة تُعرف بسببها بـ "البكتيريا المفترسة" أو "الآكلة لللحوم".
عوامل القوة وآليات المناورة المناعية
المضاعفات المناعية العامة
تُعرف الجرثومة بقدرتها على التسبب بمرضين ناتجين عن استجابة مناعية متأخرة مفرطة من جهاز المناعة ما بعد العدوى، وهما: الحمى الروماتيزمية والتهاب كبيبات الكلى. وتملك البكتيريا مركّبات خلوية متنوعة تمنحها القدرة على التخفي وإلحاق الضرر بالأنسجة.
آليات التخفي والهروب المناعي
- الكبسولة البكتيرية: تتكون من حامض الهيالورونيك، وهو مركب فريد يُكسب الجرثومة حماية تمنع التقامها بوساطة خلايا الدم البيضاء (البلعمة). وبسبب بنيتها المشابهة لأنسجة الجسم، لا يتعرف عليها الجهاز المناعي كجسم غريب ولا ينتج أجساماً مضادة ضدها.
البروتين M: جزيء ذو بنية لولبية يرتكز أحد أطرافه على جدار الخلية وتبرز نهايته الأخرى إلى الخارِج.
- تتنوع سلالات البكتيريا بناءً على هذا الجزء البارز؛ حيث تم التعرف حتى اليوم على أكثر من 120 نوعاً مختلفاً مصنفة حسب هذا البروتين.
- يُعد البروتين M مُسْتَمْنَعاً، حيث يستحث الجسم على إنتاج أجسام مضادة مُستعدِلة تحمي المريض مستقبلاً من ذلك النوع المحدد.
- انتقل تصنيف سلالات هذا البروتين في السنوات الأخيرة من الفحوصات المصلية إلى التسلسل الجيني للجينات المشفرة له، مما رفع دقة وحساسية الكشف عن السلالات بشكل ملحوظ.
السموم البكتيرية والأمراض المرتبطة بها
تنتج سلالات معينة من هذه البكتيريا سموماً خارجية تُسمى "سموم العقدية المُقَيِّحة"، ويُعرف منها اليوم أكثر من 10 أنواع تتسبب في مرضين رئيسيين:
- الحمى القرمزية.
- متلازمة الصدمة السُّمِيَّة.
التهاب البلعوم (التهاب الحلق العقدي)
الانتشار وحمل الجرثومة
يُعد من أكثر العدوى البكتيرية شيوعاً، خاصة بين الأطفال في السنوات المدرسية الأولى. يحمل نحو 10% إلى 15% من طلاب المدارس الجرثومة دون ظهور أي أعراض (حملة معافون)، ومع ذلك يمكنهم نقل العدوى إلى الآخرين.
الأعراض وفترة الحضانة
تتراوح فترة حضانة الجرثومة بين يومين وأربعة أيام، وتتميز بظهور مفاجئ للأعراض التالية:
- آلام شديدة في الحلق مصحوبة بارتفاع حرارة الجسم، والإرهاق والتعب العام.
- تضخم واحمرار اللوزتين مع ظهور نقاط إفرازية بيضاء مميزة جداً.
- التضخم المؤلم في الغدد الليمفاوية أسفل الفك.
العلاج وأهميته
غالباً ما يزول التهاب الحلق تلقائياً، لكن استخدام العلاج بالمضادات الحيوية يحقق هدفين مهمين:
- تقصير فترة المرض.
- الوقاية من المضاعفات الخطيرة كالحمى الروماتيزمية.
المضاعفات: الحمى الروماتيزمية
- تُعد مرضاً التهابياً ينجم كعقابيل ما بعد العدوى بالعقديات A.
- انخفض معدل انتشارها في القرن العشرين بفضل تحسن مستويات المعيشة واستخدام البنيسيلين.
- تظل المسبب الأكثر شيوعاً لأمراض صمامات القلب المكتسبة في العديد من مناطق العالم.
- يمكن الوقاية منها بفعالية عن طريق العلاج المبكر لالتهاب البلعوم بالمضادات الحيوية.
العدوى الجلدية والسطحية
تتنوع الالتهابات الجلدية الناجمة عن هذه البكتيريا لتشمل:
- عدوى الأنسجة الرخوة: مثل التهاب الهلل والقوباء، وهما الأكثر انتشاراً ولا يشكلان غالباً خطراً على الحياة.
- تقيح الجلد.
الحُمْرَة: تتميز باحمرار موضعي، وسخونة، وتورم، وآلام.
- تظهر غالباً في الأطراف والوجه بدون إصابة سابقة.
- تتكرر في المناطق التي تعاني من خلل في تصريف الجهاز اللمفاوي.
- قد تكون خطيرة في بعض الحالات إذا تسربت الجرثومة إلى مجرى الدم.
العدوى العميقة والمهددة للحياة
طبيعة الإصابة
قد تسبب البكتيريا عدوى عميقة تصيب العضلات واللفافات النسيجية الفاصلة بينها. وتُعد حالات النَّخْر العضلي أو التهاب اللفافة النخري من أصعب أنواع التلوث البكتيري المهدد للحياة، حيث تتطور الإصابة بسرعة فائقة مسببة تلفاً واسعاً للأنسجة، ويشكو المريض من حمى مرتفعة وألم شديد جداً يتجاوز المظهر الخارجي للإصابة.
متطلبات العلاج
- التشخيص السريع والمبكر.
- التدخل الجراحي الفوري لاستئصال الأنسجة النخرية.
- إعطاء المضادات الحيوية المكثفة.
- تجدر الإشارة إلى أنه رغم توفر العلاج الطبي المناسب، إلا أن نسبة الوفيات الناجمة عن هذه العدوى لا تزال مرتفعة جداً.