الوصف المرضي لمتلازمة الفشل التنفسي الحاد
تنشأ متلازمة الفشل التنفسي الحاد (Acute Respiratory Distress Syndrome - ARDS) نتيجة حدوث إصابة حادة في الرئتين (Acute Lung Injury - ALI) لأسباب مختلفة. ويبلغ معدل حدوثها نحو 2-3 حالات لكل 100,000 شخص سنويًا.
الفئات الأكثر عرضة للإصابة
تزداد احتمالية الإصابة بمتلازمة الفشل التنفسي الحاد لدى المرضى الذين يعانون من:
الإنتان الحاد (Sepsis)، سواء كان مصدره الرئتين، مثل الالتهاب الرئوي (Pneumonia)، أو خارج الرئتين، مثل عدوى البطن.
استنشاق محتويات المعدة.
الرضة الرئوية (Trauma).
تلقي كميات كبيرة من مشتقات الدم.
الإصابات والكسور المتعددة.
الغرق.
تؤدي هذه الحالات إلى تنشيط استجابة التهابية واسعة في كريات الدم البيضاء (Leukocytes)، وخصوصًا العدلات (Neutrophils)، مما يحفز إفراز مواد مؤكسدة ووسائط التهابية، مثل إنترلوكين-1 (Interleukin-1) وعامل نخر الورم (Tumor Necrosis Factor - TNF).
ينتج عن ذلك تلف منتشر في النسيج المبطن للحويصلات الهوائية، وهو الموقع الأساسي لتبادل الغازات، وكذلك في بطانة الأوعية الدموية الدقيقة التي تغذيها. ويؤدي هذا الضرر إلى زيادة نفاذية الأوعية الدموية (Vascular permeability)، مما يسبب حدوث وذمة رئوية غير قلبية (Non-cardiogenic pulmonary edema)، بخلاف الوذمة المرتبطة بقصور القلب الاحتقاني.
ومع تطور المتلازمة، قد يحدث خلال أيام تليف رئوي (Fibrosis) وتخريب في الأوعية الدموية، إلى جانب ظهور أكياس هوائية. وتتمثل النتائج الأساسية لهذه التغيرات في:
انخفاض حاد في مستوى الأكسجين في الدم (Hypoxemia).
انخفاض مطاوعة الرئة (Lung compliance)، مما يجعل الرئة أكثر صلابة.
بقاء مستوى ثاني أكسيد الكربون (CO₂) ضمن الحدود الطبيعية في المراحل المبكرة في بعض الحالات.
ارتفاع مستوى ثاني أكسيد الكربون في الدم (Hypercapnia) وحدوث الحماض التنفسي (Respiratory acidosis) مع تدهور قدرة الرئة على التخلص منه.
ويظهر على المريض سريريًا ارتفاع الجهد المبذول أثناء التنفس، ومع استمرار نقص الأكسجة الحاد (Hypoxemia) قد يتطور الأمر إلى فشل تنفسي حاد.
أعراض متلازمة الفشل التنفسي الحاد والمعايير التشخيصية
تستند المعايير التشخيصية الحديثة، المعروفة بمعايير برلين، إلى التقييم السريري والفحوصات المخبرية والتصويرية، مع ضرورة استبعاد الأسباب القلبية للفشل التنفسي.
معايير التشخيص
تبدأ الحالة بشكل حاد خلال أسبوع من حدوث الإصابة أو المرض المعروف المسبب لها، أو بعد ظهور أعراض تنفسية جديدة أو تفاقم الأعراض الموجودة.
تظهر ارتشاحات رئوية ثنائية الجانب في الأشعة السينية للصدر أو التصوير المقطعي المحوسب (CT)، ولا يمكن تفسيرها بوجود انصباب جنبي أو انخماص في الرئة أو عقيدات.
يجب استبعاد الوذمة الرئوية الناتجة عن سبب قلبي باعتبارها العامل الرئيسي للفشل التنفسي، ويمكن الاستعانة بتخطيط صدى القلب أو التقييم السريري لاستبعاد قصور القلب.
وجود اضطراب حاد في الأكسجة (Hypoxemia)، ويُقاس من خلال نسبة الضغط الجزئي للأكسجين في الدم الشرياني إلى تركيز الأكسجين المستنشق (PaO₂/FiO₂)، ثم تُحدد شدة الحالة إلى خفيفة أو متوسطة أو شديدة.
ترتبط متلازمة الفشل التنفسي الحاد بمعدل وفيات مرتفع، وقد يصل إلى 40-50% في الحالات الشديدة. وغالبًا لا يكون نقص الأكسجة الحاد هو السبب المباشر للوفاة، وإنما يحدث ذلك نتيجة فشل الأعضاء المتعدد (Multiple Organ Dysfunction Syndrome - MODS) المرتبط بالمرض المسبب، مثل الإنتان، أو العدوى المكتسبة في المستشفى، وخصوصًا الالتهاب الرئوي المرتبط بجهاز التنفس، أو المضاعفات الناتجة عن التهوية الميكانيكية، مثل استرواح الصدر وإطلاق الوسائط الالتهابية.
علاج متلازمة الفشل التنفسي الحاد
لا يتوفر حتى الآن علاج دوائي نوعي لمتلازمة الفشل التنفسي الحاد، لذلك يعتمد التدبير على العلاج الداعم والتهوية الميكانيكية الوقائية (Protective ventilation)، إلى جانب علاج السبب الأساسي للحالة.
ومع مرور الوقت، يتعافى معظم الناجين بصورة تدريجية، وتعود وظيفة الرئة إلى طبيعتها.
الدعم بالأكسجين والتهوية الميكانيكية
يمكن في بداية الإصابة الحفاظ على تشبع الأكسجين في الدم الشرياني عند مستوى 90% أو أكثر من خلال إعطاء الأكسجين باستخدام القناع. ومع تقدم الحالة، يحتاج معظم المرضى إلى دعم تنفسي اصطناعي بواسطة التهوية الميكانيكية، وقد يستمر ذلك لعدة أيام أو أسابيع.
وفي حال عدم توفير الدعم التنفسي المناسب، قد يؤدي نقص الأكسجة الحاد وفرط ثاني أكسيد الكربون والحماض الناتج عنهما إلى وفاة المريض.
أهداف التهوية الميكانيكية
تحسين الأكسجة
يتم تحسين الأكسجة من خلال:
إعطاء الأكسجين بتركيز مرتفع، مع مراعاة أن استخدام تركيزات تتجاوز 60% لفترات طويلة قد يؤدي إلى حدوث ضرر إضافي في الرئتين.
استخدام الضغط الزفيري النهائي الإيجابي (Positive End-Expiratory Pressure - PEEP) للمساعدة في فتح الحويصلات الهوائية المنهارة والحفاظ عليها مفتوحة.
قد يؤدي اختيار قيم غير مناسبة من PEEP إلى انخفاض النتاج القلبي، أو زيادة تمدد الرئة، أو حدوث استرواح الصدر.
الحفاظ على التبادل الغازي والتوازن الحمضي القاعدي
أظهرت الدراسات أن الرئة المصابة بمتلازمة الفشل التنفسي الحاد لا تكون متجانسة، إذ توجد مناطق سليمة إلى جانب مناطق منكمشة.
ولهذا السبب، فإن استخدام أحجام جارية كبيرة تتراوح بين 10-15 مل/كغ بهدف خفض مستوى ثاني أكسيد الكربون قد يؤدي إلى إصابة المناطق السليمة نتيجة الانتفاخ المفرط (Volutrauma).
لذلك أصبحت التهوية الوقائية هي الاستراتيجية المعتمدة، باستخدام حجم جاري يبلغ نحو 6 مل/كغ من الوزن المثالي، مع السماح بحدوث ارتفاع مقبول في ثاني أكسيد الكربون (Permissive Hypercapnia).
كما أظهرت الدراسات أن الحفاظ على ضغط الهضبة (Plateau Pressure) عند 30 سم ماء أو أقل يساعد على تقليل معدل الوفيات، وتقليل مدة التهوية الميكانيكية، والحد من فشل الأعضاء.
العلاجات المساعدة
يمكن استخدام بعض الوسائل المساعدة لتحسين الأكسجة في الحالات الشديدة، ومنها:
وضع المريض على البطن (Prone position)، مما يساعد على تحسين توزيع التهوية والتروية داخل الرئتين.
استنشاق أكسيد النيتريك (NO)، الذي يعمل على توسيع الأوعية الدموية في مناطق الرئة جيدة التهوية، مما يساعد على تحسين اختلال التهوية والتروية (V/Q mismatch).
ولا تؤدي هذه العلاجات بصورة مستقلة إلى خفض معدل الوفيات.
الكورتيكوستيرويدات ومضادات الالتهاب
قد يساعد العلاج بالكورتيكوستيرويدات (Corticosteroids) ومضادات الالتهاب في تحسين وظيفة الرئة عند استخدامها في المرحلة المتأخرة من متلازمة الفشل التنفسي الحاد، المعروفة بمرحلة التليف التكاثري (Fibroproliferative stage).
أما في المراحل الحادة المبكرة من المرض، فلا يُنصح باستخدامها وفق التوصيات الحالية.